• مبادئ نظام المعلومات الجغرافية

    بقلم: سامر الجودي
    عن مقال منشور في مايو 2002

    مازالت الخرائط وسيلة هامة لإيصال الأفكار وتخطيط المشاريع وتنفيذها، فهي الأداة الأساسية لرسم الواقع كما نعيشه، أو كما نحب أن نعيشه. ولكن هذه الخرائط تتطلب زمناً طويلاً وجهداً شاقاً لرسمها، كما أنها ساكنة ولاتعكس التغييرات التي تطرأ من حولنا. ولذلك نلقي الضوء في هذه الدراسة على نظام المعلومات الجغرافية، وهو تقنية حاسوبية حديثة نسبياً، وأداة هامة للمهندسين ومتخذي القرار ومخططي المدن و أخصائيي البيئة والموارد الطبيعية. وونبين أنواع البيانات التي يعمل معها، والوظائف التي يقدمها، لإنشاء بيئة خرائط مبتكرة، زاخرة بالحياة.

    مقدمة

    يُعرّف نظام المعلومات الجغرافية (Geographic Information System: GIS) بأنه نظام حاسوبي لجمع وإدارة ومعالجة وتحليل البيانات ذات الطبيعة المكانية. ويُقصد بكلمة مكانية (spatial) أن تصف هذه البيانات معالم (features) جغرافية على سطح الأرض، سواء أ كانت هذه المعالم طبيعية كالغابات والأنهار أم اصطناعية كالمباني والطرق والجسور والسدود. يستخدم مصطلح معالم للإشارة أيضاً إلى الظواهر الطبيعية والبيئية مثل المد والجزر والتلوث وغيرها.

    لكن هذا التعريف لا يعني أن نقيد استخدام نظام المعلومات الجغرافية بالمساحات الكبيرة، لأنه يمكن أن يستخدم في دراسة حيّ تكون المعالم الجغرافية فيه مؤلفة من عدد صغير من المنازل وشبكة الهاتف والكهرباء والمياه، أو في شركة واحدة تكون شبكة الحواسيب أحد المعالم فيها.

    الشكل (1): يجمع نظام المعلومات الجغرافية تقنيات سابقة، ورث عنها بعض وظائفها وخصائصها.

    لعلك سمعت – عزيزي القارئ - عن التطبيقات المشهورة لنظام المعلومات الجغرافية، مثل استخدامه في المواصلات لمعرفة أفضل الطرق بين موقعين في المدينة، أو استخدامه في مؤسسات الكهرباء لتوضيح مواقع مراكز التحويل وكيفية وصول الكهرباء إلى المناطق السكنية واكتشاف مصادر الأعطال بسرعة، أو استخدام الحكومات المحلية له في إدارة وتحديث حدود ملكية العقارات. لكن هذا النظام يمكن استخدامه تقريباً في أي شيء، فالتخطيط الجيد للخدمات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم الابتدائي يمكن إنجازه عبر نظام المعلومات الجغرافية، لما يتمتع به هذا النظام من قدرة على تحليل توزّع السكان ودراسة كيفية وصولهم إلى تلك المراكز الخدمية، وبالإضافة إلى ذلك يزداد استخدام نظام المعلومات الجغرافية باطّراد في مساعدة الأعمال التجارية على تحديد أسواقها المرتقبة والاهتمام بزبائنها.

    يمكننا إذاً أن نُعرّف نظام المعلومات الجغرافية بأنه مجموعة من المبادئ والتقنيات المستخدمة لإنجاز أحد الهدفين التاليين أو كليهما:

    • العثور على المواقع المناسبة لإنجاز هدف ما، اعتماداً على شروط ومعايير محددة، مثل العثور على أفضل موقع لإنشاء مطار، أو أفضل موقع لافتتاح مركز تجاري. ويمكن القيام بذلك باستخدام عدد من العمليات المنطقية.
    • الاستعلام عن خصائص معالم الخريطة، مثل معرفة الكثافة السكانية لمنطقة إدارية، أو سرعة المركبة المسموح بها على طريق، أو اسم صاحب العقار. وتنجز هذه العمليات في الأغلب بالنقر على المعلم الجغرافي (المنطقة الإدراية أو الطريق أو العقار) فيقوم نظام المعلومات الجغرافية باستخراج سماته من قاعدة البيانات المرافقة ويعرضها.

    تخزّن بيانات نظام المعلومات الجغرافية في أكثر من طبقة (layer) واحدة، وذلك للتغلب على المشاكل التقنية الناجمة عن معالجة كميات كبيرة من المعلومات دفعة واحدة. وتستخدم بعض البرامج مصطلح theme أي موضوع بدلاً من طبقة، ولكنها في طريقها إلى العودة إلى استخدام مصطلح طبقة. إن التغلب على مشكلة في طبقة الطرق، مثلاً، أفضل من معالجتها في كامل النظام، وتعتبر هذه السمة أساسية في نظام المعلومات الجغرافية.

    قياساً على ذلك يتألف مشروع نموذجي لنظام المعلومات الجغرافية لقرية من عدة طبقات، تشمل أولها طبقة حدود ملكية الأراضي الزراعية، وتُمثل هذه الطبقة بمجموعة من المضلعات المغلقة، لأن المضلعات هي الشكل الهندسي الأنسب لتمثيلها، بينما تخصّص الطبقة الثانية لبيوت القرية، والثالثة للمراكز الحكومية كالمدارس والمستشفيات وتُمثل هاتان الطبقتان بمجموعة من المضلعات أيضاً. وتتضمن الطبقة الرابعة الآبار، وتُمثل بمجموعة من النقاط. في حين تضم الطبقة الأخيرة الطرق المارة في تلك القرية وتُمثل بمجموعة من الخطوط.

    الشكل (2): تتألف خريطة ضاحية سكنية في مشروع GIS من طبقة حدود العقارات (مضلعات فارغة بنية)، والمباني السكنية (مضلعات مصمتة زرق)، والمراكز الخدمية (مضلعات مصمتة حمر)، ، والطرق (خطوط زرق)، والهواتف العمومية (نقاط سود).

    يعرض GIS هذه الطبقات معاً ولكنه يتيح التحكم بكل طبقة على حدة.

    يمتلك نظام المعلومات الجغرافية إمكانيات خاصة لربط عدة طبقات من البيانات المكانية وتحليلها وإنشاء الخرائط التي تمثل نتائج ذلك التحليل، مثل ربط طبقة الأراضي الزراعية بطبقة الطريق المقترح إنشاؤها لاكتشاف أي الأراضي الزراعية تتأثر بمرور الطريق الجديدة فيها، والمساحة المطلوب شراؤها من المالك. أو ربط طبقة الأراضي الزراعية بطبقة الآبار لمعرفة عدد الآبار في كل أرض، واستخدام نتائج هذا الربط في دراسة تهدف إلى ضبط إجراءات ترخيص حفر آبار جديدة في القرية.

    البيانات المكانية والوصفية

    ييتطلب فهم نظام المعلومات الجغرافية واستخدامه معرفة البيانات المكانية والبيانات الوصفية التي تؤلف قوام هذا النظام. تتضمن البيانات المكانية (Spatial Data) معلومات عن موقع وشكل المعالم الجغرافية وتخزن عادة في إحداثيات، كما يمكن أن تتضمن معلومات أخرى عن علاقات تلك المعالم بعضها ببعض، مثل علاقتي الجوار والاتصال. بينما تتضمن البيانات الوصفية وهي السمات أو الأوصاف (attributes) الخصائص المرتبطة بتلك المعالم، وتخزن في جداول منفصلة عادة. وهكذا تتألف البيانات المكانية للآبار في مثال القرية السابق من إحداثيات س و ع تمثلان موقع البئر، وتتألف البيانات الوصفية أو السمات من اسم المالك، ورقم الترخيص، وعمق البئر. ويتميز نظام المعلومات الجغرافية بقدرته على ضم البيانات المكانية والسمات معاً.

    الشكل (3): تتألف البيانات المكانية لطبقة الأشجار المعمرة في محمية طبيعية من جدول يتضمن رقماً فريداً وإحداثي س وإحداثي ع. أما السمات أو البيانات الوصفية فتتألف من جدول آخر يتضمن الرقم الفريد ذاته ونوع الشجرة وعمرها وارتفاعها (انظر الجدوليين التاليين).


    الرقم
    س
    ع
    12 347 194
    13 567 334
    14 516 226
    15 657 255
    16 430 257
    17 606 153
    18 319 373

    الرقم
    النوع
    العمر
    (سنة)
    الارتفاع
    (م)
    12 أرز 110 67
    13 صنوبر 135 80
    14 أرز 120 72
    15 أرز 120 70
    16 تنّوب 80 65
    17 تنّوب 75 60
    18 صنوبر 125 73

    تمثَّل البياناتُ المكانية في نظام المعلومات الجغرافية عادة في هيئتين، أولاهما البيانات المتّجهة (vector data) وهي أشكال معرّفة هندسياً، وتتألف من النقاط والخطوط والمضلعات، وثانيتهما البيانات المتسامتة أو النقطية (raster data)، وهي الصور الجوية وصور الأقمار الاصطناعية، ويطلق عليها أيضاً بيانات الشبكة (grid data) لأنها مؤلفة من شبكة من الخلايا. ويمتلك كل نموذج من هذين النموذجين نقاط قوة ونقاط ضعف، ولذلك يجب اختيار أحد هذين النموذجين حسب طبيعة المشروع والبيانات المتوفرة، مع العلم بأن الصور كثيراً ما تستخدم كخلفية للبيانات المتجهة، ولا تكون في هذه الحالة جزءاً مهماً من بيانات مشروع نظام المعلومات الجغرافية.

    الشكل (4): يمكن تمثيل المنطقة (في الأسفل) ببيانات متجهة (vector) في أربع طبقات (في الوسط)، أو ببيانات متسامتة (raster) من 400 خلية في أربعة ألوان (في الأعلى).

    تكمن الفائدة الرئيسية في هيئة البيانات المتجهة في قدرتها على تمثيل المعالم الجغرافية تمثيلاً دقيقاً، وهذا يجعلها مفيدةً في مهام التحليل المكاني التي تتطلب تحديد المواقع بدقة، كما في التطبيقات الهندسية والمساحية. كما أن هذا النوع من البيانات يسمح بتعريف العلاقات المكانية بين المعالم، مثل علاقة الجوار بين عقارين وعلاقة اتصال شارع بآخر، أي إمكانية الانتقال من هذا الشارع إلى ذاك. ويعرف ذلك باسم الطوبولوجيا (topology)، وهي مهمة جداً في تحليل الشبكة مثل إيجاد أفضل الطرق بين موقعين في شبكة طرق معقدة.

    الشكل (5): تعرّف طوبولوجيّة الطريق في البيانات المتجهة نقطة بدايته ونهايته، ما يسمح لنظام المعلومات الجغرافية بفهم معنى "على يمين ويسار الطريق".

    أما البيانات المتسامتة أو الصور فلا يمكنها تمثيل العلاقات الطوبولوجية بين المعالم الجغرافية، لأنها تتألف من شبكة من خلايا الصور أو البكسلات المنفصلة. ولكنها في المقابل مناسبة لتمثيل التدرّج أو التغيير المستمر في ظاهرة، مثل خريطة نوع التربة في الأراضي الزراعية، بينما تكون حدود التربة منفصلة عند تمثيلها في هيئة بيانات متجهة، لأن حدود المضلعات تكون واضحة وحادة. وتعتمد دقة هذا النوع من البيانات على حجم الخلية، وهو مساحة المنطقة من سطح الأرض الذي تمثله تلك الخلية، وكلما مثلت الخلية مساحة أصغر، كلما كان وضوح البيانات المتسامتة عالياً. ويمكن استخدام الصور الجوية وصور الأقمار الاصطناعية مباشرة في برمجيات نظام المعلومات الجغرافية القادرة على التعامل مع البيانات المتسامتة. ولكن كلما زاد وضوح الصور كلما ازداد حجم الملف، وهذه إحدى المشاكل والقيود التي تحد من استخدام البيانات المتسامتة.

    تعتمد مسألة اختيار هذا النوع أو ذاك من البيانات، إذاً، على طبيعة وهدف مشروع نظام المعلومات الجغرافية. ويتوقف نوع البيانات أساساً على طبيعة البيانات وحجمها وسهولة تحليلها والدقة المطلوبة. وعموماً تعتبر البيانات المتجهة اقتصادية، وتوفّر مستوى عال من الدقة، ولكن استخدامها في الحسابات ******ية صعب نسبياً. ومن ناحية أخرى تميل بيانات الشبكة إلى استهلاك مساحات تخزين كبيرة، وتتميز بوضوح منخفض، لكنها أسهل أثناء تنفيذ الحسابات ******ية.

    لا يستطيع نظام المعلومات الجغرافية تحليل المعلومات في خريطة، إذا لم تكن هذه البيانات في هيئة رقمية يستطيع الحاسوب قراءتها، وهي البيانات المتجهة أو البيانات المتسامتة. لذلك تستخدم عدة طرق لتحويل الخرائط الورقية إلى خرائط رقمية. يُستخدم الترقيم (digitizing) لإنشاء نموذج حاسوبي للخريطة الورقية مؤلف من بيانات متجهة، وتنجز عملية الترقيم هذه بتتبّع معالم الخريطة بواسطة الفأرة أو القلم فوق سطح خاص لجمع إحداثياتها. كما يُستخدم المسح (scanning) أيضاً للحصول على بيانات متسامتة من الخريطة الورقية. يمكن استخدامها مباشرة، عندما يكون نظام المعلومات الجغرافية قادراً على تحليل البيانات المتسامتة، أو استخدامها كخلفية للمشروع إذا كان يعتمد على بيانات متجهة. يمكن أيضاً تحويل البيانات المتسامتة إلى بيانات متجهة باستخدام برامج خاصة للتحويل بين هيئتي البيانات هذه، وتسمى هذه البرامج باسم R2V اختصاراً لعبارة Raster to Vector.

    الشكل (6): تحويل خريطة ورقية لمنطقة في مدينة حلب القديمة في سوريا ترقى إلى العام 1938، إلى خريطة رقمية في أوتوكاد، العام 1998، باستخدام برامج R2V.

    أضاف نظام تحديد المواقع العالمي GPS إمكانية جديدة لتجميع البيانات المتجهة وهو نظام يعتمد على الأقمار الاصطناعية للحصول على إحداثيات النقطة الذي يقف المستخدم عندها بدقة قد تصل إلى أجزاء المتر، مع إمكانية تجميع البيانات الوصفية أو السمات مباشرة، وتخزينها في جداول سابقة التعريف، تنقل هذه الخرائط والجداول فيما بعد إلى الحاسوب، ويمكن تصديرها إلى معظم الهيئات الشائعة في نظام المعلومات الجغرافية.

    معالجة البيانات المكانية

    توفر برمجيات نظام المعلومات الجغرافية عدة وظائف تقليدية لمعالجة وتحليل البيانات المكانية، وهي استرجاع المعلومات، والقياس المكاني، والتراكب، والتوليد المكاني، وإنشاء الحريم (أو الحاجز) والممرات، وتحليل الشبكة، وإسقاط الخريطة، وتحليل نموذج التضاريس الرقمي. وسنلقي في هذه الدراسة نظرة سريعة على كل وظيفة من هذه الوظائف التي توضح أيضاً الأسباب التي جعلت من نظام المعلومات الجغرافية يزداد أهمية، يوم بعد يوم، في مساعدة صانعي القرار على اتخاذ قراراتهم بسرعة وحكمة:

    • استرجاع المعلومات (information retrieval): يستطيع المستخدم الحصول على المعلومات الخاصة بمعلم من معالم الخريطة من نظام إدارة قواعد البيانات الذي يحتفظ بتلك المعلومات، وذلك بالنقر على ذلك المعلم. وما يزيد من أهمية نظام المعلومات الجغرافية قدرته على إنشاء تقارير مخصّصة بالمعلومات التي يسترجعها المستخدم.
    • إنتاج الخرائط الموضوعية (thematic mapping): يستطيع نظام المعلومات الجغرافية إنتاج خرائط موضوعية للمعالم الجغرافية، ويعني ذلك إظهار السمات أو البيانات الوصفية في أسلوب رسومي، ويؤدي تغيير مظهر المعالم إلى جعل المعلومات أكثر وضوحاً، بتغيير لون المعلم أو نمط الخط المرسوم به أو ترميزه برمز خاص، أو حتى كتابة إحدى قيم البيانات الوصفية لكل معلم من المعالم على الخريطة. يمكن مثلاً استخدام دوائر أكبر لترميز المدن ذات عدد السكان الأكبر، أو استخدام خطوط عريضة لترميز الطرق ذات الكثافة المرورية العالية، أو استخدام اللون الأزرق لترميز أنابيب المياه التي مر على تركيبها أكثر من 20 عاماً.


    الشكل (7): يستطيع نظام المعلومات الجغرافية استخدام سمة عدد السكان مثلاً من بين السمات لترميز الدول بالألوان المختلفة تبعاً لعدد السكان فيها، وتسمى هذه الخرائط بالخرائط الموضوعية.

    • القياس المكاني (spatial measurement): يسهّل نظام المعلومات الجغرافية أداء القياسات المكانية، وقد تكون هذه القياسات بسيطة مثل قياس مسافة بين نقطتين وقياس مساحة مضلع أو طول خط، ويمكن أن تكون معقدة مثل قياس مساحة المنطقة المشتركة بين عدة مضلعات موجودة في عدة خرائط.
    • التراكب (overlay): وهو إجراء هام في تحليل نظام المعلومات الجغرافية، ويتطلب تركيب طبقتين أو أكثر لإنتاج طبقة جديدة على الخريطة.

    مثال على التراكب: ينمو نوع من القمح المعدّل وراثياً أفضل ما ينمو في البيئة الجافة في فصول النمو الطويلة والتربة القلوية. فإذا توفرت بيانات كافية عن طول فصل النمو ونظام الرطوبة وقلوية التربة في منطقة زراعية مترامية الأطراف فما هو أفضل مكان لزراعة ذلك النوع من القمح؟.

    الجواب: يمكن معرفة أفضل مكان لزراعة ذلك النوع من القمح بتركيب عدة طبقات (خرائط) لتلك المنطقة تُظهر أولاها المخزون المائي وتبين الأخرى طول فصل النمو، بينما تتضمن الثالثة معلومات عن درجة حموضة التربة (pH). ويستطيع نظام المعلومات الجغرافية اختبار تلك الطبقات معاً لإنشاء طبقة جديدة تمثل أجزاء محددة من المنطقة الزراعية تفي بكافة شروط التربة المناسبة لنمو ذلك النوع من القمح.

    • التوليد المكاني(spatial interpolation): يمكن استخدام نظام المعلومات الجغرافي لدراسة خصائص التضاريس أو الشروط البيئية من عدد محدود من القياسات الحقلية. على سبيل المثال يمكن إنشاء خريطة الهطول المطري انطلاقاً من عدد محدود من القياسات المطرية المأخوذة في مواقع مختلفة على الخريطة، كما يمكن إنشاء خريطة التضاريس انطلاقاً من عدد محدود من قياسات الارتفاع في الخريطة. ومن البدهي أن تتوقف دقة البيانات المولّدة على عدد القياسات المأخوذة.


    الشكل 8: يستطيع GIS إضافة طبقة منحنيات التسوية بتوليدها آلياً من سمات في طبقة نقاط أخرى باستخدام وظيفة التوليد المكاني.

    • إنشاء الحريم والممرات (buffer and corridors): يستعمل الحاجز - أو الحرم و الحريم كما يطلق عليه في المصادر العربية، والكلمة الصحيحة الحريم- عندما تعتمد عملية التحليل ومعرفة المنطقة التي سيشملها حدث ما على قياس مسافة محددة انطلاقاً من نقطة أو خط أو مضلع. وهكذا يستطيع نظام المعلومات الجغرافية إنشاء دائرة تمثل منطقة التخريب الناجم عن انفجار مصنع كيميائي بمعرفة نصف قطر التخريب ورسم دائرة بحيث يكون ذلكم المصنع في مركزها.


    الشكل (9): لا تسمح القوانين بافتتاح صيدلية في الموقع A لأن الصيدلية C لا تبعد عنها بالمسافة المطلوبة، ولكن الموقع B مناسب لذلك. يقوم GIS باكتشاف ذلك القرار بمفرده عبر عدة خطوات، ومن دون تدخل المستخدم.

    • تحليل الشبكة (network analysis): يستطيع نظام المعلومات الجغرافية معالجة مشاكل الشبكة المعقدة، مثل تحليل شبكة الطرق، لمعرفة زمن الرحلة بين النقطة أ والنقطة ب على الخريطة عند سلوك طريق ما، أو تحديد الطرق التي يمكن أن تقود إلى النقطة ب انطلاقاً من النقطة أ. ويمكن استخدام تحليل الشبكة في أمور أكثر تعقيداً، مثل تقديم النصيحة إلى شركة النقليات بشأن الطريق الذي يجب أن تسلكه شاحنات الشركة عندما تنقل البضائع إلى عدة أمكنة، وتوقيت انطلاقها واستراحتها الخ. ومن الأمور التي يمكن استخدام تحليل الشبكة فيها إصلاح أعطال شبكة الهاتف والكهرباء والمياه.
    • إسقاط الخريطة (map projection): يعتبر إسقاط الخريطة مكوناً أساسياً في فن صناعة الخرائط. والإسقاط نموذج هندسي يقوم بتحويل مواقع المعالم على سطح الأرض الكروية ثلاثية الأبعاد إلى ما يقابلها من مواقع على سطح الخريطة ثنائية الأبعاد. وبما أنه من المستحيل إسقاط الشكل الكروي بدقة على مستو، فقد تصدت بعض أنواع الإسقاط للمحافظة على الشكل، بينما اشتهرت أنواع أخرى من الإسقاط بالمحافظة على المساحة أو المسافة أو الاتجاه. وتستخدم أنواع مختلفة من الإسقاط لأنواع الخرائط المختلفة لأن كل نوع من أنواع الإسقاط مناسب لاستخدام محدد.
    • تحليل نموذج التضاريس الرقمي (digital terrain analysis): يستطيع نظام المعلومات الجغرافية بناء نماذج ثلاثية الأبعاد للموقع الجغرافي عندما يمكن تمثيل طوبوغرافية هذا الموقع بنموذج بيانات (إحداثيات) س وَ ع وَ ص، يعرف باسم نموذج التضاريس أو الارتفاع الرقمي (Digital Terrain or Elevation Model)، ويشار إليه اختصاراً بالأحرف DTM أو DEM.


    تمثل بيانات س وَ ع مواقع على المستوي الأفقي، بينما تمثل ص ارتفاعات هذه المواقع. وكما يبدو في الشكل فإن هذه البيانات يمكن تمثيلها على شكل مصفوفة DEM (خلايا الشبكة) أو على شكل شبكة مثلثة غير منتظمة (Triangulated Irregular Network: TIN).

    الشكل (10): يستطيع GIS بناء نموذج التضاريس الرقمي من مجموعة من إحداثيات س وع وص.

    ويمكن استخدام البيانات المشتقة من نموذج التضاريس الرقمي في تحليل الظواهر البيئية أو المشاريع الهندسية التي تتأثر دراستها بالارتفاعات أو الميول، كما في دراسات الغابات والطمي النهري. وتسمح إمكانيات الإظهار البصري في الحواسيب بعرض نموذج التضاريس الرقمي في شكل ثلاثي الأبعاد، من أية زاوية مطلوبة. مثال: يستطيع المهندسون المدنيون استخدام نموذج الارتفاع الرقمي لمعرفة أنسب الأساليب في حجب منشأ جديد عن التضاريس المحيطة (مثل منجم مفتوح)، وتقدير كمية الحجب الإضافي اللازمة لإخفاء المنشأة أو تقليل مستويات الضجيج الناجمة عنه.

    برمجيات نظام المعلومات الجغرافية

    تصنف برمجيات GIS في عدة أصناف وذلك تبعاً لطبيعة البيانات التي تستطيع التعامل معها، ومستوى الوظائف التي تقدمها، والبيئة التي تعمل فيها، على أن بعض هذه البرمجيات موجه لمستخدمين من نوع خاص، مثل برنامج TransCAD المصمم لخبراء المواصلات، وبرنامج Prospex الموجه لتحليل الأسواق، ولن نتحدث كثيراً عن هذه البرمجيات لأنها لا تهمنا كثيراً في هذه المقدمة عن نظام المعلومات الجغرافية.

    تصنف برمجيات GIS من ناحية أولى إلى برمجيات تعتمد البيانات المتجهة، وهي الغالبية العظمى من برمجيات نظام المعلومات الجغرافية، أو برمجيات تعتمد البيانات المتسامتة مثل برنامج Idrisi من جامعة كلارك في أمريكا وILWIS من المعهد الدولي لدراسات المسح الفضائي وعلوم الأراضي في هولندا. وتصنف من ناحية أخرى من حيث مستوى الوظائف إلى مزودات GIS، أو برمجيات GIS احترافية، أو مكتبية (Desktop GIS) ، أو متصفحات بيانات GIS، أو أدوات تطوير للمبرمجين تسمح بإنشاء تطبيقات GIS متكاملة من دون الحاجة إلى وجود برنامج، أو حلول GIS المتنقلة التي خصصنا لها مقالة كاملة في عدد فبراير/شباط 2001 بعنوان نظم معلومات جغرافية في جيبك.

    الفئة
    ESRI Autodesk MapInfo Intergraph
    مزود GIS ArcIMS وArcSDE GIS Design Server SpatialWare وMapXtreme -
    احترافي ArcInfo Autodesk Map - GeoMedia Professional
    مكتبي ArcView Autodesk World MapInfo Professional GeoMedia
    متصفح بيانات ArcExplorer MapGuide Viewer Pro Viewer -
    حلول متنقلة ArcPad OnSite miAware -
    أدوات تطوير MapObjects - MapX -

    نظام تحديد المواقع العالمي

    نظام تحديد المواقع العالمي (Global Positioning System: GPS) نظام إبحار مؤلف من 24 قمراً اصطناعياً في 6 مدارات حول الكرة الأرضية بالإضافة إلى محطاتها الأرضية، يزوّد كل منها معلومات دقيقة عن الوقت والموقع لتمكن أجهزة استقبال GPS من حساب المواقع على سطح الأرض. يجب استقبال إشارة من ثلاثة أقمار اصطناعية على الأقل لتحديد موقع جهاز الاستقبال في شكل خط عرض وخط طول، أو في أي شكل آخر تابع لشبكة الإحداثيات المحلية إذا تم تعريفها في جهاز الاستقبال. فيما يتطلب حساب ارتفاع الموقع وجود إشارة إضافية من قمر اصطناعي رابع.

    الشكل (11): قمر GPS اصطناعي، واحد من 24 قمراً تدور في 6 مدارات حول الأرض.

    تستخدم تقنية GPS للحصول على بيانات متجهة عن المواقع الجغرافية، وتوفر بعض أجهزة الاستقبال المتطورة إمكانيات لرصد النقاط والخطوط والمضلعات، وتخزينها في طبقات منفصلة، جنباً إلى جنب مع جداول قواعد البيانات، مع إمكانية تصديرها إلى هيئة GIS المطلوبة. مثال: للحصول على طبقة الآبار في القرية، يقوم مستخدم GPS أولاً بإنشاء جدول لتخزين البيانات الوصفية (يسمى أيضاً معجم بيانات data dictionary) يتضمن اسم مالك البئر ورقم الترخيص وعمقه، ثم يجري مسحاً حقلياً لرصد مواقع الآبار، وذلك بالضغط على زر خاص في لوحة المفاتيح بعد الوقوف عند البئر مباشرة وإدخال اسم مالك البئر ورقم الترخيص وعمقه. وفي نهاية المطاف يحصل على بيانات الآبار المكانية وسماتها، وهي بيانات جاهزة للاستخدام في معظم برمجيات نظام المعلومات الجغرافية.

    الشكل (12): يتألف جهاز GPS من الهوائي وجهاز الاستقبال (على الكتف) وجهاز التقاط البيانات (في اليد).

    يشكو حالياً مستخدمو نظام تحديد المواقع العالمي - ماخلا أفراد القوى العسكرية الأمريكية - من انعدام الدقة في القراءات التي تظهرها أجهزة الاستقبال لديهم يصل إلى 100 متر، ويعود السبب في ذلك إلى سياسة أمريكية تسمى التوفر الانتقائي (selective availability). فالأقمار الاصطناعية مبرمجة لإرسال معلومات غير دقيقة عن الوقت والموقع. وذلك لمنع القوى العسكرية الأجنبية من استخدام GPS في أغراض معادية لها. وقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة بتخفيض التوفر الانتقائي بحيث أمكن الحصول على دقة تصل إلى 10 أمتار. وعندما تكون هذه الدقة لا تفي بالغرض، يمكن استخدام أجهزة استقبال متطورة لتحليل الإشارة الملتقطة من القمر الاصطناعي، ومقارنتها بالإشارة المستقبلة من المحطات الأرضية، للحصول على معلومات أكثر دقة يمكن أن تصل إلى أجزاء من المتر. ويعرف هذا الإجراء باسم التصحيح التفاضلي، ويطلق على أجهزة استقبال القادرة على القيام بذلك اسم DGPS اختصاراً لعبارة Differential GPS.

    الاستشعار عن بعد

    الاستشعار عن بعد هو دراسة الظواهر من الجو أو الأقمار الاصطناعية، وهو يؤهّل العلماء لترجمة الظواهر بطريقة أفضل. وهذه الوسيلة مفيدة جداً في مسح مناطق شاسعة بكلفة صغيرة نسبياً. يستخدم الاستشعار عن بعد لذلك في دراسة المناطق القطبية والصحاري والغابات والمناطق الجبلية، فالخرائط ذات المقياس الصغير والدقة الجيدة يمكن إنتاجها بكلفة أقل انطلاقاً من صور الأقمار الاصطناعية.

    وقصارى القول أن الاستشعار عن بعد مناسب لدراسة المناطق الشاسعة ذات التضاريس الصعبة، وحيثما تكون كلفة أعمال المساحة التقليدية باهظة.

    تزودنا الأقمار الاصطناعية والاستشعار عن بعد بمعين لا ينضب من المعلومات، تتضمن دراسة شكل الأرض وتضاريسها وتوزّع اليابسة والبحار على سطحها، ودراسة النباتات والتربة والتركيب المعدني. وتوفر لذلك الكثير من الوقت والكلفة المطلوبة لإنجاز المسح الحقلي المطلوب. كما تساعد المعلومات الملتطقة على فترات منتظمة العلماءَ على تمييز مدى التغيير في الشروط الأرضية خلال الفصول، مثل التغييرات في رطوبة التربة الموسمية، وهذه معلومات مفيدة جداً في تخطيط المناطق التي تشهد تغييرات متكررة في الغطاء الأرضي لها، مثل الأراضي الزراعية والأغوار والمناطق التي تتأثر بالمد والجزر.

    كلمة أخيرة

    هذه مقدمة موجزة للتعريف بنظام المعلومات الجغرافية، والوظائف التي يقدمها، وعلاقته بنظام تحديد المواقع العالمي GPS وتقنية الاستشعار عن بعد، ونرجو أن تكون قد ساهمت في إلقاء نظرة أولى على هذا النظام. ويمكنك تعلم المزيد عن GIS وبرامجه من الكتب الإن***زية، والمراجع العربية – على ندرتها - تبحث في الجانب النظري فقط وليست مخصصة لدراسة البرامج. تستطيع التعرف على هذا النظام أيضاً عبر مواقع إنترنت غزيرة بالمعلومات مثل موقع http://www.gis.com و http://www.geocomm.com و http://www.giscafe.com و http://www.geographynetwork.com.


    الشكل (13): يقدم متصفح شبكة الجغرافيا في موقع http://www.geographynetwork.com لزواره بيانات GIS عن أي بلد أو منطقة في العالم.

    يتوفر باللغة العربية - لحسن الحظ - موقع يهتم بشؤون برمجيات التصميم بالحاسوب (CAD) ونظام المعلومات الجغرافية (GIS)، هو مجلة التصميم بالحاسوب CAD, GIS, & GPS Magazine، ويقدم هذا الموقع خدمات ودعماً فنياً مجانياً، بالإضافة إلى عدد من الدورات التعليمية الفورية، منها دورة لتعليم برنامج ArcView، ويتميز بوجود معجم إن***زي عربي لمصطلحات نظام المعلومات الجغرافية مع تعريف مختصر لكل منها.

    وبمناسبة اللغة العربية، بقي أن نذكر أن تقنية نظام المعلومات الجغرافية ما زالت تقنية جديدة في المنطقة العربية، وما زالت الحكومات العربية تسعى إلى تنفيذ مشاريع نظام معلومات جغرافية وطنية أو تخطط لذلك، باستثناء المشاريع التي أنجزتها قطر (http://www.gisqatar.org.qa) والإمارات العربية المتحدة (http://www.gis.gov.ae)، وسلسلة برامج المستكشف التي طورتها شركة الدليل لنظم المعلومات في المملكة العربية السعودية، وقد عرضنا لأربعة منها هي مستكشف ****** وجدة و مستكشف مكة المكرمة والمدينة المنورة، في أكتوبر 2000 ويوليو 2001 ويناير 2002.