• إستراتيجيات القرار في نظام المعلومات الجغرافية

    إيهاب حجازي
    مركز التخطيط الحضري والإقليمي، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين


    نحاول في هذه المقالة تقديم فكرة مبسطة عن إستراتيجيات القرار في نظام المعلومات الجغرافية، ونوضح بالتفصيل العيوب التي تتصف بها الإستراتيجيات التي تسيطر على استخدامنا نظام المعلومات الجغرافية في الوقت الحاضر. ونلقي الضوء على التطورات الحديثة في علم اتخاذ القرار، وكيفية الاستفادة منها.

    مقدمة:

    نستخدم نظام المعلومات الجغرافية (GIS) عادة لمساعدتنا في اتخاذ القرار، ولكن معظمنا لا يدرك أن الأنظمة المستخدمة في عملية اتخاذ القرار هذه قد تؤدي بنا إلى قرارات غير متوقعة، فعامل التقاطع المنطقي AND، على سبيل المثال، يعتبر الدعامة الأساس في عملية اتخاذ القرار بناءً على شروط متعددة. ولو استعملنا هذا العامل في عملية اتخاذ القرار لاختيار مواقع لتطويرها إذا انطبقت عليها مجموعة من الشروط، مثل أن تكون قريبة من الشوارع الرئيسية، وقليلة انحدار الأرض، وغير مزروعة بالاشجار، ثم قمنا بتطوير هذه الشروط إلى طبقات منطقية (Boolean layers)، أو طبقات صح/خطأ الثنائية البسيطة (simple true/false binary layers)، وأجرينا بعد ذلك عملية انتقائها على أساس هذا العامل (AND) فإن الطبقة الجديدة الناتجة تُظهر كل المواقع التي تحقق هذه الشروط الثلاث. وهذا، ببساطة، حل غير مرغوب فيه، علاوة على أنه محفوف بالمخاطر.

    لماذا ذلك؟

    إن عامل التقاطع المنطقي يعتبر إستراتيجية قاسية جداً. فإذا فُقد أحد الشروط في موقع من المواقع، فإنه يسقط حالاً من الاعتبار، بغض النظر عن مميزاته الاخرى. وعلى الرغم من أن ذلك يمكن أن يكون ملائماً في بعض الحالات، إلا إنه قد يؤدي إلى حصر النتائج أكثر مما نريد في حالات أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النتيجة يمكن أن تكون مختلفة جداً عما يمكن تحقيقه من خلال إستراتيجية أخرى لاتخاذ القرار.

    التركيب الخطي الموزون:

    إن التركيب الخطي الموزون (Weighted Linear Combination) هو إستراتيجية عامة أخرى لاتخاذ القرار بشأن مشكلة ذات شروط متعددة. نقوم في هذه الحالة بتوزين الشروط، أي ضبطها إحصائياً، على سبيل المثال من0 إلى 1، أو من 0 إلى 100،ونجد بعدها المتوسط الحسابي للنتائج لكل موقع، ومن الطبيعي أن تكون هذه الطريقة أقل مجازفة، فإذا كان لدينا مثلاً موقع قليل الانحدار جداً (يحقق شرط الانحدار بصورة كبيرة) فإنه سيتم تعويضه ببعد هذا الموقع عن الشارع (يحقق شرط شرط البعد عن الشارع بصورة قليلة).

    المتوسط الموزون المرتّب:

    إن هذه الإستراتيجيات لاتخاذ القرار لمشكلة ذات شروط متعددة هي التي تسيطر في الوقت الحاضر على استخدامنا نظام المعلومات الجغرافية. لكن التطورات الحديثة في علم اتخاذ القرار اقترحت سلسلة من الإستراتيجيات يمكن ان تستخدم بشكل فعال. ولربما كان أكثر هذه الطرق مرونة ما يعرف باسم "المتوسط الموزون المرتب" (Ordered Weighted Average: OWA)، وتعود هذه الطريقة في الأساس إلى طريقة التركيب الخطي الموزون، وتمتاز بأن لها القدره على إنتاج مجموعات لانهائية وواقعية من الإستراتيجيات المتنوعة، سنقوم بتوضيحها لاحقاً.

    الشكل (1): تفاوت الإستراتيجيات بين المجازفة والتعويض

    إن نتائج إجراء المتوسط الموزون المرتّب هي إستراتيجيات تتفاوت في مدى بعدين، هما المجازفة (Risk) والتعويض (Trade Off).

    يبين الركن الأيسر السفلي من المثلث في الشكل (1) حلاً في أحد الأطراف، يفترض أقل مجازفة ممكنة، وبالتالي لا يسمح بأي تعويض، وهذا الحل هو الحل الأكثر تطابقاً مع الحل الناتج عن استخدام عامل التقاطع المنطقي AND، وبالتالي فهو حل تقليدي ويعطي نتائج غير واضحة كما يظهر في الشكل (2) في الزاوية اليسرى من الشاشة. وهي شاشة تبين تقييمات لملائمة أرض معينة للتطوير بالاعتماد على جوارها من الشوراع ومركز البلد، والميل، والمسافة من محمية طبيعية، واللون الأخضر والأصفر هما الأفضل، بينما الأحمر والأزرق هما الأسوء.

    الشكل (2): مجموعة من الحلول الممكنة لتطوير الأرض

    إن هذا الحل الذي يتطابق مع الحل التقليدي (AND) نظراً لتعريف المواقع بخاصيتها الأسوء، ولكي يتم إدراج أي موقع كموقع قابل للتطوير يجب أن تكون جميع الشروط قد تحققت بشكل جيد ولا مجال هنا للتعويض بين الشروط المختلفة، وبالتالي فهي إستراتيجية تمثل حل (AND) الصعب جدا.
    أما الحل في الطرف الأيمن السفلي من المثلث، فيوازي العامل المنطقي (OR)، ويعتبر هذا الحل أكثر الحلول تفائلية في عملية الاختيار، وفي هذه الحالة فإن المواقع تعرّف بأحسن ميزاتها، ويتم إدراج أي موقع كموقع قابل للتطوير إذا تحققت أي من الشروط بشكل جيد بغض النظر عن وضع الشروط الأخرى، وهذا الحل يعطي نتائج غير واضحة أيضاً.

    أما ركن المثلث المتبقي في الشكل (1) فيمثل حالة كاملة من التعويض، وبالتالي تكون المخاطرة متوسطة، وبالتالي لا تهمل الصفات الضعيفة للمواقع، وإنما يمكن أن تعوض. وهذا يظهر في الحلول الوسطي في الشكل (2).

    إن إلقاء نظرة على الشكل (2) يظهر حلولاً أخرى كثيرة ممكنة. كما هو واضح في الاختيارات المتعددة التي يظهرها الشكل، وهي في الحقيقة عبارة عن سلسلة منتظمة من الاختيارات التي تتفاوت في درجة المخاطرة والتعويض في الحل، والاختيارت الموضحة في الشكل (2) من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين تتطابق مع المنحنى من الركن الأيسر إلى الركن الأيمن من المثلث في الشكل (1)، أي من الركن الأيسر إلى الرأس ثم إلى الطرف الأيمن.

    وهكذا فإننا نلاحظ أنه بالإمكان تقديم حلول أكثر قوة وتقليدية، ولكنها تسمح ببعض المرونه في التعويض في النقص البسيط في بعض الشروط، لأنها قوية في شروط أخرى، مثل الحل (2) في الصورة العليا في الشكل (2). وهكذا نلاحظ أن عامل (OWA) يمكنه تقديم أي إمكانية ضمن هذا المثلث.

    إن الحل في الركن الأيسر السفلي في الشكل (2) يوضح حالة وسطية من المجازفة مثل التركيب الخطي الموزون القياسي، ولكنه خال من التعويض. ويماثل إجراءات مجموع النقاط المحرزة للمباريات ******ية حيث تهمل النقاط الجيدة والرديئة.

    تشبه إستراتيجية المثلث هذا مبدأ الاستثمار التجاري، فالنوعية الجيدة ستكون في الركن الأيسر السفلي، وهذه إستراتيجية إنتاج كميات قلية ولكن بجودة عالية. أما الركن الأيمن السفلي فيمثل البضائع التجارية بجودة عالية وموجودة بقوة، ولكن هناك جانباً كبيراً من المجازفة، أما قمة الهرم تمثل أكبر عائد وبعض المخاطرة.

    هذه ميزة جديدة موجودة في برنامج الإدريسي (Idrisi)، أحد أنظمة المعلومات الجغرافية، ولكنها غير متوفرة في العديد من الأنظمة السابقة، وتعطي نضجاً واضحاً في القدرة على صنع قرارات لتحديد المواقع وإدارة الموارد، ومن المؤكد أن هذه الإمكانية ستكون متوفرة في الأنظمة الأخرى الجديدة في القريب العاجل.

    عن نص للكاتب Roland Eastman منشور في مجلة Directions Magazine.